أقلام وآراءأهم الأخبار

الساعات الاولى لوزير العدل الأسبق في سجن الحراش

دخل غير مصدّقٍ بتاتا أنه صار واحدا من سكان السجن الأشهر في البلاد . كان يمشي كشخص فاقد للذاكرة . عيناه شاخصتان و تقاسيم وجهه يملأها الذهول .
الاصفرار الذي يعلو بشرته بدا طافحا حتى ظن مرافقوه من حرس السجن أنهم يقتادون رجلا ميتا لولا ارتعاش يديه و ارتجاف رجليه اللتين صارتا اثقل من ان يحركهما الى الامام في رواق طويل لا تصله اشعة الشمس وإن حاولت النفاذ إليه ، رائحة الرطوبة سيدة المكان وصار عليه -هو الذي يعاني من الحساسية المزمنة – ان يتحمّل أقسى من هذا الوضع الذي كان يتوقع الوصول إليه مكتويا بنار الانتظار .
الرواق الذي مشى فيه كانت دقائقه أطول من الساعات السبع التي قضاها داخل المحمكة العليا…
توقّف في منتصف الطريق الى زنزانته متنهدا و بين شهيق وزفير شحيحين دفعت به قبضة الحارس نحو غرفته المظلمة حيث لا فراش وثير ولا غطاء يحفّز على النوم و الأحلام اللذيذة التي كان يغرق فيها داخل بيته الفخم او في مكتبه الفاره الذي يفضل ان يأخذ فيه قيلولة بطعم الفاكهة .
هنا في حبس الحراش سبقه الكثير من “اخوته في الفساد” ممن يفوقونه كراهية عند الشعب … ورغم ذلك فإن دخوله هو بالذات كان موجعا له …إنه يدخل مؤسسة تابعة لقطاعه وسيعاشر موظفين هنا تابعين لوزارته التي كان يشرف عليها لولا أن حراك الشعب أجبره على التنحي مع وزيره الاول احمد اويحي رفقة طاقم حكومي كان الأسوأ في تاريخ الحكومات السيئة التي حكمت البلاد .
دخل الزنزانة…صوب عينيه الذابلتين من التعب نحو السقف المهترئ وجلس بهدوء …. لحسن حظه انه سيقضي بعض الأسابيع مفردا وحيدا داخلها ليمارس بعيدا عن الأعين وكاميرات التلفزيون هوايته الجديدة ابتداء من الليلة: البكااااااء !!
اجهش الطيب لوح بالبكاء …أجهش كانه لم يبك من قبل …وفي غمرة الحزن الشديد التي ألمّت به واستولت عليه استسلم لتعبه ونام …استيقظ في حدود السابعة ونصف مصدوما بواقعه الجديد ..وحين وجد نفسه وجها لوجه مع جدران زنزانة قذرة … ارتمى في حضن الفراغ و بكى مرة اخرى …… كان بكاؤه نشيجا مُرّا كعلقم … وكطفل سرقوا منه حبة الحلوى وهو في طريقه إلى بيته، ظلت دموعه سخية لا تتوقف إلا لتشرع نافذة للحيرة يطلّ منها على ماضيه الجميل الذي يتباعد مع كل ثانية تمرّ …
كان طفلا مدللا وشابا متهورا غير آبه بالناس ، متشبثا ببذخ الحياة كان ، فمسؤولا مفعما بالنرجسية و زهو الطواويس .
“ياااا حسرااااااه ” هكذا تمتم في اعماقه ولم ينبس بها … كان يريد ان يصرخ كما تعود ان يفعل في مكتبه بالأبيار وفي قاعة البرلمان :انااااا وزير العدل ….حافظ الأختااااااام !!!… لكن صوت حارس الزنزانة فاجأه بصحن “السوبة” وقطعة الخبز الصباحي الباردة …هاهو بعد سنوات من “اغنية اصلاح العدالة وعصرنة القضاء ” يتذوق بتردّد اول طبق له في سجن الحراش الذي كان يزوره وزيرا تطارده الصحفيات الجميلات فينتشي بلون قميصه الذي يختاره بعناية و رائحة عطره الفاخر الذي يجلبه من باريس و تسريحة شعره المسرف في البياض .
ليتني لم اكذب على الشعب ولم امارس الفساد الذي زجّ بي في هذا المكان الذي لا ارى فيه أحدا من أصدقاء السهر و ليالي السمر … لا ابنائي يرونني و لا “الكانيش” المشاغب يداعب اصابع قدمي حين اتمدد على الاريكة اتجول بين قنوات التلفزيون مستمتعا بحديث الآخرين عني …
كان صوت ” سولكينغ ” يصل من بعيد يتغلغل بين قضبان النافذة الضيقة …”لا ليبرتي …لا ليبرتي” … وضع الملعقة جانبا وتنحى بعيدا عن الصحن الممتلئ بالحساء المشؤوم … اي قدر هذا الذي جعله يلتحق بالحراش في يوم حافل وبهيج يرش فيه شاب يافع جماهيره بالفرح فيقذفونه بباقات الورد و يغمرونه باهازيج الحرية و الشباب ..؟
كانت ليلة صعبة … لا مكان فيها الا للكوابيس … لم ينم فيها الا ليستيقظ على اصوات غريبة و قريبة منه … كان وجه المرحوم محمد تامالت مضيئا في تلك الغرفة البائسة مرفرفا في فضائها كعصفور يتيم لكنه جذلان بوجود وزير العدل حافظ الاختام داخل هذا الفضاء الذي يتسع للمظلومين ويضيق على الظالمين …
ناداه صوت محمد “لماذا قتلتني …. لماذا تسترت على قاتلي ….لماذا تجاهلت 27 شكوى كتبها اخي اليك و ألقيتها في سلة المهملات ؟؟”
…” لاااا …لاااااا “…. صرخ بصوت عال … مرتعدا اجاب “لاااا …يا تامالت … انا عبد مامور … انا مجرد وزير للعدل تحت سلطة قاضي قضاة البلاد !!! ” …
كان تامالت ينظر اليه بتلذذ و عناد … عيناه مشرقتان مسرفتان في الكبرياء … وابتسم حين لمح طيف والدته العجوز تزغرد وهي تسمع – هذا المساء- من ابنها عبدالقادر تفاصيل الزجّ بـ “قاتل ابنها ” في سجن الحراش وبئس المصير …!!
تلعثم الطيب لوح … جفّ حلقه … طأطا رأسه صامتا كالأبله أمام جلال الأم التي احرق كبدها جلادو الحرية في شتاء 2016 الحزين….
سجدت والدة محمد مطولا … وحين رفعت رأسها بثبات … نبتت في موضع سجودها زنبقة بيضاء … وتجلى زوجها الراحل …والد محمد … يرتل القرآن الكريم :
“وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ “.
…….

كتبها : عبدالعالي مزغيش … 22 08 2019 .

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى